إخوان الصفاء
19
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الأشياء التي أتينا على شرحها ، وهي الهيولى والصورة والمكان والزمان والحركة ، محتوية على كل جسم ، فمن لم يكن مرتاضا بالنظر في هذه الأشياء ، فلا يسعه النظر في أمور الطبيعة ، لأنه لا يمكن له أن يعرفها كنه معرفتها البتّة ، ولو لم يكن مرتاضا في الأمور الطبيعية ، فلا يسعه الكلام في الأمور الإلهية ، لأنه لا يمكنه أن يعرفها كنه معرفتها . فتفكّر فيما ذكرنا يا أخي في هذه الرسالة من أقاويل العلماء لتفهم ما قالوه ، وتصوّر ما وضعوه من معاني هذه الأشياء ، فإن كان عندك زيادة عليها أفدناها ، وإن أنكرت شيئا مما قالوه فبيّنه لنا ، وإن اشتبه عليك شيء مما حكيناه ، فلا تتّهمنا بأنّا قصّرنا في البيان أو قلنا ما ليس بالحق . ثم اعلم أن لكلّ صناعة أهلا ، ولكل أهل علم وصناعة أصولا ، هم فيها متّفقون ، وفي فروعها يتكلمون ، وعلى تلك الأصول يقيسون فيما يختلفون . واعلم بأن النظر في الأمور الطبيعية جزء من صناعة إخواننا الكرام ، أيدهم اللّه تعالى ، والأمور الطبيعية هي الأجسام وما يعرض لها من الأعراض اللازمة والمزايلة ، وقد عملنا في هذه العلوم سبع رسائل أولاها هذه الرسالة التي ذكرنا فيها الهيولى والصورة والحركة والمكان والزمان ، إذ كانت هذه الأشياء الخمسة محتوية على كل جسم ، وقد ذكرنا في رسالة الحاسّ والمحسوس الأشياء العارضة للأجسام بقول وجيز ، ثم يتلو هذه الرسالة التي ذكرنا فيها السماء والعالم ووصفنا فيها تركيب الأفلاك وكميّتها وسعة أقطارها ، وسرعة دورانها ، وعظم الكواكب ، وفنون حركاتها ، وأوصاف البروج وتخصيصها ، ثم يتلوها الرسالة التي ذكرنا فيها الكون والفساد وماهيّة الأركان الأربعة التي تحت فلك القمر ، وهي النار والهواء والماء والأرض ، وصفنا فيها كيفيّة استحالة بعضها إلى بعض ، وحدوث الكائنات منها ؛ ثم يتلوها الرسالة الرابعة التي فيها حوادث الجو والتغييرات التي تحدث في الهواء ، ثم يتلوها الرسالة الخامسة التي ذكرنا فيها جواهر المعادن ،